ابن قيم الجوزية
660
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
الأسباب الجالبة للمحبّة في الأسباب الجالبة للمحبة ، والموجبة لها وهي عشرة : أحدها : قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به ، كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد ويشرحه . ليتفهم مراد صاحبه منه . الثاني : التقرب إلى اللّه بالنوافل بعد الفرائض . فإنها توصله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة . الثالث : دوام ذكره على كل حال : باللسان والقلب ، والعمل والحال . فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا الذكر . الرابع : إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى ، والتسنم إلى محابه ، وإن صعب المرتقى . الخامس : مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ، ومشاهدتها ومعرفتها . وتقلبه في رياض هذه المعرفة ومباديها . فمن عرف اللّه بأسمائه وصفاته وأفعاله : أحبه لا محالة . ولهذا كانت المعطلة والفرعونية والجهمية قطاع الطريق على القلوب بينها وبين الوصول إلى المحبوب . السادس : مشاهدة بره وإحسانه وآلائه ، ونعمه الباطنة والظاهرة . فإنها داعية إلى محبته . السابع : وهو من أعجبها - انكسار القلب بكليته بين يدي اللّه تعالى . وليس في التعبير عن هذا المعنى غير الأسماء والعبارات . الثامن : الخلوة به وقت النزول الإلهي ، لمناجاته وتلاوة كلامه ، والوقوف بالقلب والتأدب بأدب العبودية بين يديه . ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة . التاسع : مجالسة المحبين الصادقين ، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقي أطايب الثمر . ولا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام ، وعلمت أن فيه مزيدا لحالك ، ومنفعة لغيرك . العاشر : مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين اللّه عز وجل . فمن هذه الأسباب العشرة : وصل المحبون إلى منازل المحبة . ودخلوا على الحبيب . وملاك ذلك كله أمران : استعداد الروح لهذا الشأن ، وانفتاح عين البصيرة . وباللّه التوفيق . طرف محبة العبد لربه . وطرف محبة الرب لعبده والكلام في هذه المنزلة معلق بطرفين : طرف محبة العبد لربه . وطرف محبة الرب لعبده . والناس في إثبات ذلك ونفيه أربعة أقسام : فأهل يحبهم ويحبونه على إثبات الطرفين ، وأن محبة العبد لربه فوق كل محبة تقدر . ولا نسبة لسائر المحاب إليها . وهي حقيقة « لا إله إلا اللّه » وكذلك عندهم محبة الرب لأوليائه وأنبيائه ورسله : صفة زائدة على رحمته ، وإحسانه وعطائه . فإن ذلك أثر المحبة وموجبها . فإنه لمّا أحبهم كان نصيبهم من رحمته وإحسانه وبره أتمّ نصيب . والجهمية المعطلة عكس هؤلاء فإنه عندهم لا يحبّ ولا يحبّ . ولم يمكنهم تكذيب النصوص . فأولوا نصوص محبة العباد له على محبة طاعته وعبادته . والازدياد من الأعمال لينالوا بها الثواب . وإن أطلقوا عليهم بها لفظ « المحبة » فلما ينالون به من الثواب والأجر ، والثواب